محمد الغزالي
314
فقه السيرة ( الغزالي )
إنّ الإسلام تعاليم وأعمال شتى ، فيها الفرائض وفيها النوافل . ولا بدّ أن نعلم أنّ اللّه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة ، فالرجل الذي يستكثر من أعمال التطوع في الوقت الذي يهمل فيه فرائض لازمة رجل ضالّ . والفرائض المطلوبة لحفظ الإيمان كالأغذية المطلوبة لحفظ الجسم . وكما أنّ الجسم لا يقوم بالمواد النشوية واحدها ، أو الزلالية واحدها ، بل لا بد من استكمال جمل منوعة من الغذاء ، وإلا تعرض الجسم لعلل قد تنهكه أو تقتله ؛ فكذلك الدين ؛ إنه لا قيام له في كيان الفرد أو في صفوف الجماعة إلّا بجملة من الفرائض الملونة ، تصون حياته ، وتضمن عافيته ونماءه . وعلى المسلم أن يقسّم وقته ، وأن ينظّمه على هذه الفرائض المطلوبة ، فلا يشغله واجب عن واجب ، وبالأحرى لا تشغله نافلة عن واجب ! . وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن مباغتة بني قريظة قبل أن يستكملوا عدتهم ويقوّوا حصونهم ، هو الواجب الأول في تلك الساعة ، فلا ينبغي أن ينشغل المسلم عنه ولو بالصلاة . فحدود وقت الصلاة تذوب أمام ضرورات القتال . وتستطيع - على ضوء هذا الإرشاد النبوي - أن تحكم على مسالك المسلمين اليوم ؛ إنّ المدرس الذي ينشغل عن تعليم تلامذته ، والتاجر الذي ينشغل عن تثمير ثروته ، والموظّف الذي ينشغل عن أداء عمله ، لا يقبل اللّه من أحدهم عذرا أبدا في تضييع هذه الفرائض ، ولو كان أحدهم قد عاقه عن واجبه أنه صلّى مئة ركعة ، أو قرأ ألف اية ، أو عدّ أسماء اللّه الحسنى سبعين ألف مرة ، كما يفعل جهّال المتصوفة ؛ ذلك أنّه انشغال عن الفرائض المطلوبة بنوافل لم تطلب ، وتعطيل لأمة يستحيل أن تنهض إلا إذا أجهدت نفسها في محاربة جهلها وفقرها وفوضاها . والجهاد العام فريضة لا يغضّ من قدرها شيء ، ولا يزاحمها على وقتها عبادة كما رأيت . [ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يحمل راية المسلمين ] : حمل راية المسلمين إلى حصون قريظة عليّ بن أبي طالب ، واستبق المسلمون يحتشدون حولها ، حتى إذا اقترب الجيش من منازل اليهود كان القوم